arablog.org

أنور رحماني: رسالة الى رئيس الجمهورية

السيد رئيس الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، السيد عبد العزيز بوتفليقة، أكتب لك هذه الرسالة لأحدّثك عمّا يجول في بلدك، عميقا في بلدك، في مكان ما لا يمكن رؤيته من نافذة الطائرة، ولا من خلال أعين المقربين، أشياء ربّما قد تخفى عنك، أو ربّما ليست بالأهميّة التي تجعلها كفيلة بإطلاعك، ولكننا نحن المواطنون البسطاء نراها أهم من كل المؤتمرات الدولية التي قد تعقد في بلادنا أهم من سعر البرميل الواحد من النفط، نفس النفط الذي سرعان ما ترتفع أسعاره سرعان ما تنخفض، مثلنا نحن، كما الشعب، قبل وبعد الانتخابات، سيّدي الرئيس سواء أن قبلناك أو رفضناك سواء أن كنا موالين لك أو معارضين، فهذا لا ينفي أنّك الرئيس الفعلي اليوم للبلاد وأنت واقع لا يمكننا نفيه، ولذلك فأنت المسؤول تاريخيا عن هذه الحقبة من تاريخ الجزائر وأنت المسؤول عن كل ما يحدث في بلادنا من أمر ايجابي أو سلبي، وكأي انسان في العالم قد تخطيء وقد تصيب، كما قد يخطيء ويصيب أي رئيس في العالم…وليس بالبعيد عن هذا العالم، وبل فيه، تقع الجزائر غير مفصولة عن القارات الخمس تربطها علاقات مع أمم الأرض فتؤثر وتتأثر في مناخ من التعايش البشري بين كل الديانات والأفكار واللغات لتجد لنفسها مكانا صغيرا في هذه الفوضى الحضارية التي تصنع جمالية كوكب الأرض وعرقه البشري

الكاتب أنور رحماني صاحب رواية هلوسة جبريل في صورة وضعية غبريال غارسيا ماركيز

سيدي الرئيس، تمرّ بلادنا اليوم بأزمة حقيقيّة، هي أزمة تعايش، أزمة حضارية بامتياز حيث يقاد مواطنين عزّل أبرياء الى السجون بتهمة حريتهم الفكرية والعقائدية وحرية التعبير، هذه الحريّات المقدّسة التي تعهدت قبل ذلك في كل خطاباتك بحمايتها، نفس الحريّات التي ينص عليها الدستور الجزائري الذي يعلو على كل قوانين البلاد، ونفس الحريّات التي تعهدت الجزائر بحمايتها في كل المعاهدات والمواثيق الدولية التي أبرمتها وصادقت عليها، فهل يجوز اليوم أنتهاكها بهذا الشكل الفظيع؟ هؤلاء اللذين يتم اقتيادهم لمخافر الشرطة ليسوا سوى مواطنين جزائريين في عز شبابهم في أغلبهم، سن الشباب الذي يليق به الخطأ في أسوء الظروف، ويليق به الحماس ولو كان مفرطا، وما لا أخفيه على نفسي أنك أنت كذلك قد مررت من هذا السن وقد كنت شاهدا بنفسك عن تقلباته الهرمونية واندفاعيته السلوكية، وقد بدأت احتراف السياسة في سن صغيرة وأنت شاب وما لا يمكننا نكرانه هو دورك الفعّال كوزير لخارجية الجزائر في دعم الحركات التحررية في العالم وفي الأمم المتحدة، وفي نفس السياق السيد الرئيس يدافع هاؤلاء المسجنون وغيرهم عن الحريات في بلادهم كحركة تحررية كان لبد للدولة الجزائرية دعمها عوض قمعها، كونها تهدف في الأساس لزرع قيم التعايش وتقبل الاختلاف و تسريع الحركية الفكريّة التي من شأنها رفع الوعي الاجتماعي والفكري للأمّة الجزائرية ليجعلها في مصاف المجتمعات العظيمة بما يليق بالجزائر وتاريخها الكبير

السيد الرئيس لن أكذب عليك ولن أجعل الصورة ورديّة أمامك فالواقع اليوم هو واقع أسود حيث تنكمش الحريّات الى الصفر ويسجن المدونون و الكتّاب والمفكرون والمدافعون عن حقوق الانسان كما لم تفعل الجزائر سلفا قريبا، السيد الرئيس لقد استطاعت الجزائر في أن تتصالح مع من كان في الأمس القريب يذبح أبنائها، مدنييها وعسكرييها، نسائها وشيوخها وأطفالها، ويفجر المطارات والجامعات والمقاهي، ويطغى في قتل أهل القرى الجزائرية والمداشر، أفلا تستطيع الجزائر بعد هذا أن تتصالح أيضا مع كتّابها ومفكريها وفلاسفتها وفنانيها وروائييها وعلمائها و مدونيها وهم لم يقتلوا أحدا ، السيد الرئيس بوتفليقة لقد استحدث بعض أعضاء الحكومة الجزائرية مصطلحا جديدا فيما سموه (الأمن الديني للجزائر) هذا المصطلح الذي لم نسمع به في اي قاموس اجتماعي او سياسي او اقتصادي وما هو الّا اسم من أسماء سموها لم ينزل عليها الله من سلطان ولا بينة فيها وكل ما قد يفهم من هذا المصطلح الجديد والغريب الّا البطلان المطلق والتسفيه المباشر، فها أنا هنا سيدي أقترح عليهم أمنا آخر يهم وطننا أكثر مما سموه افتراضا أمنا دينيا و هو الأمن الغذائي اذ لتزال الدولة الجزائرية تستورد معظم غذاء شعبها في وطننا هذا الذي يزخر بأراضي شاسعة لم تستطع آلية الحكومة فيها بالرغم من المساحة الضخمة أن تزرع لشعبها ما يأكل، وفي وطننا هذا ليزال الكثير من الجزائريين يقتاتون من القمامة، وكأمن آخر يعاني في بلادنا قد أصابك منه ما قد أصاب باقي المواطنين الجزائريين هو الأمن الصحي حيث تعاني الجزائر نقصا فادحا في المستشفيات المتخصصة و تكنولوجيات الصحية حيث ينتظر عشرات الالاف من المرضى دورهم لسنوات من الألم الشديد للسفر والعلاج في الخارج وبعضهم يتكل على القنوات التلفيزيونية لجمع التبرعات للتكفل بمصاريف علاجه في ذل كبير في وطن نحسبه وطن العزّة والكرامة، السيد الرئيس مهما حاولت الحكومة الجزائرية جاهدة أن يدخل كل الجزائريين الجنّة لن تستطيع ذلك، فلما يحاسب الناس اذن على معتقداتهم ونظرتهم للديانات ككل وللإسلام على وجه خاص؟ ذلك أن للجنة معايير أخرى أبعد عن معيار الايمان والكفر فللجنة معايير أسمى كما الدستور وهي النزاهة و المعاملة الحسنة للأخرين واحترامهم وعدم ايذاء الناس ولا سرقة أموالهم وأكل أرزاقهم ولا التعدي على خصوصياتهم وما يعرف كذلك بمقاصد الشريعة البعيدة كل البعد عمّا نسميه في دراجتنا بالحقرة، وان كان القرآن ذاته قد تسامح مع الانسان وفكره وأعطاه كامل الحريّة في الايمان والكفر فلما يحاول القانون أن يتدخل بين الله وعبده؟ أوَ لم يأتي الاسلام الى الناس لكي تكون العلاقة بين الله والانسان علاقة خاصة لا وسيط فيها ولا تدخل؟ ألم يكن هذا هو الجذر الذي قامت عليه سيقان الاسلام؟ سيدي الرئيس لا أخفيك أني أنا أيضا متضرر من هذا الفهم الخاطيء للدين الذي فرغ اليه المشرع فلأجل رواية خيالية صنفني القانون جاني على الله.. حيث بعض القوانين الجزائرية تصنف الله كضحية وكطرف في النزاع يدافع عنه النائب العام كمحامي خاص وليس هذا فقط بل للضحية هنا حق مبتور اذ لا يمكنها المطالبة بالتعويض عن طريق رفع الدعوى المدنية بالتبعية فهنا لم يسيء القانون لله بجعله ضحية فقط بل بجعله ضحية من الدرجة الثانية ايضا حيث لا يحق له المطالبة بالتعويض كباقي الضحايا عادة في القانون، أليست هذه أكبر إساءة لله سيد الرئيس؟ أليس جنون هذا قد ارتدى رداء القانون عنوة وراح يتدخل بين الانسان وربه وبين الانسان ومعتقده؟

السيّد الرئيس أتذكرك جيدا وأنا طفل في عهدتك الرئاسية الأولى عند محاولة اغتيالك من طرف الارهابيين المتطرفين، حينها قلت كلمة قوية في أحدى خطاباتك {ان كان هذا هو اسلامكم هو الاسلام فلسنا مسلمين وان كان اسلامنا هو الاسلام فلستم مسلمين} وهاهو الشعب الجزائري قد عرف اسلامه واسلامهم وفهم أنّ حرية الانسان وكرامته عبادة وتقرّب لله وفهم أن الفكر وحركيته سنة الاهية أرادها الله في الجنس البشري فأصبح يبتعد بعدا متواصلا من عشريته السوداء وعن الخطابات الدينية المتطرفة ليجد اليوم نفسه بين مطرقة بعض القوانين التي تثبط الحرية الفكرية والدينية وبين سندان بعض وسائل الاعلام التي نصّبت نفسها حارسة على ضمائر الجزائريين فمذا لو لم تكن رئيسا للجمهورية وقد حلّ بك ما حل ألم تكن لتكون ضحية انت الآخر لآلة الهمجية التي لا تعترف بحرية الفكر ولا الدين؟ السيّد رئيس الجمهوريّة، لقد كتبت لك هذه الكلمات لأنّي مقتنع أنك ستتفهم بشكل أو بآخر حاجة المجتمع الجزائري في تطوير وعيه وفكره وتقبل مثقفيه وكتّابه وتقبل الحريّة الفكرية والجزائر في خط التماس مع الارهاب وحدودنا الحارة تزخر بالموبقات الأكبر من داعش ونظيراتها من الحركات المتطرفة التي تنهل من نفس النار التي يحاول المفكرون اليوم اخمادها بأقلامهم وأصواتهم فان كان جيشنا الوطني الشعبي يحارب الارهاب في الجبال والوديان والصحراء فان لكتاب والمثقفين والروائيين وغيرهم دورا هاما في محاربة الفكر الذي ينهل منه الارهاب ويصطاد من خلاله الصدور العارية للمواطنين، ولذلك السيد الرئيس أطلب منكم رئاسة وحكومة ونحن داخلون على استحقاقات تشريعية في العفو الرئاسي عن جميع معتقلي الرأي والفكر والدين والعقيدة كنوع من التسامح الوطني والتصالح الذي كان شعاركم منذ توليكم مقاليد الحكم في الجزائر لأجل الجزائر أولا وقبل كل شيء كما أطالب البرلمان القادم في أعادة النظر في جميع القوانين التي وضعت كحجرة عثرة في طريق الكتّاب والمفكرين والروائيين والعلماء الجزائريين الى ذلكم الوقت كمواطن يعتز بمواطنته الجزائرية أن تنقذوا الوطن في هذا الظرف الخطير من تاريخها

أنور رحماني

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *