arablog.org

العالم ما بعد الله: إلى أين؟

 

 

بقلم الكاتب والروائي أنور رحماني

يتخلّى العالم الحديث تدريجيًا عن فكرة الإله مؤسّسًا لمادية عصرية قائمة على العلم وعلى الحرية الفردية من جهة وعلى النظام الإقتصادي القائم على المنافسة والمبادرة الفردية والذي تحوّل لديانة جديدة قائمة بذاتها من جهة أخرى، إذ أنّ فكرة “الله” باتت تبدو للمجتمعات الحديثة فكرة قديمة موروثة عن زمن الكهنوت، وقد أكسبت الإكتشافات العلمية الحديثة الوعي البشري نوع من التكبّر على الميثولوجيات الديفانية (المنادية بوجود الآلهة)، وجعلها تفرّ من فكرة الرب الذي يعرف كل شيء والإنسان الجاهل الذي يقابله بالضرورة، لتحطّ بها الرِحال في وعي جديد وفلسفة حياة حديثة قائمة على البحث وعلى السؤال بعد الثورة التي قدّمها المنهج التجريبي ومعه المناهج العلمية الأخرى بهذا الخصوص، ليجعل الحياة البشرية تفقد شيئًا فشيئًا جنوحها لفكرة الآلهة لتقترب أكثر فأكثر إلى تأليه الذات البشرية والعقل البشري مؤسسةً لعصر جديد خارج أطر التقديس الممركز في الماورائيات….

فكيف سيكون شكل العالم ما بعد الله؟:

إنّ طرح هذه الإشكالية قائمٌ على الكثير من الغموض، إذ قد يُفهم السؤال عكس ما قد يُراد الإشارة إليه، فالعالم ما بعد الله ليس ذلك العالم الذي يتخلّى نهائيًا وبشكل مطلق ومباشر عن الرب، أو ذلك العالم الذي يُعلن حربًا عشوائية وممنهجة وبشكل عِدائي على فكرة الآلهة، في الحقيقة هذه الخطوة التي يقوم بها المجتمع الإنساني خارج حيّز الله ليست تمرّدًا عليه بل فعل لا إرادي ونتيجة حتمية لما آلت إليه التطوّرات الحديثة في كلّ المجالات، العلمية والطبية والفلسفية والإجتماعية والسياسية وغيرها، وبات من المستحيل إقناع الإنسان بشكل ولو طفيف بوجود أي نوع من الرقابة المقدّسة عليه، فالقانون وأجهزة القضاء وتطوّرهما قد عوّضا العدالة الإلاهية بشكل كبير، والآلات والأدوية الطبيّة إستطاعت أن تطيل من أمد عيش الإنسان ولم تعد الصلاة تجدي نفعًا ضدّ الأمراض كما تجدي المضادات الحيوية والتطعيم، وتطوّر التكنولوجيا الفلاحية ساعد على إمداد البشر بالحجم الكافي من الغذاء أكثر من قراءة التعويذات على البذور قبل زراعتها، فوصول الإنسان إلى قناعة دقيقة قائمة على أساس علمي واضح بكون الحلول العملية والفعلية تجدي دائمًا وبشكل أفضل من أي حلٍ ديني آخر قائم على الصلاة والدعاء، جعله يقفز هذه القفزة النوعية في حياته الفكرية، وبالتالي لم يعد الإنسان ذلك الكائن السلبي الذي ينتظر الدعم الربّاني بل أصبح كائنًا إجابيًا يبحث عن تطوير نفسه وحياته وتحقيق أمنياته وتطلّعاته بيديه.

وإنّ هذا التخلّي عن”الله” ليس حدثًا آنيًا بل تطوّر بشكل بطيء ثمّ أخذ بالتسارع حديثًا، وبالتالي كما سلف الحديث فإنّ عملية التخلّي ليست مباشرة بل إجتازت مراحل عدّة وبشكل ميكانيكي، وهذا التخلّي لم يكن مطلقًا إذ لا تزال الحاجة الماسة لوسادة مقدّسة يتوسّدها الإنسان كلّما إشتد عليه التعب النفسي والنعاس الفكري قائمة، ليعطي حياته المادية نوع من الروحانية التي فقدها في خضّم هذه التقلّبات العصرية، ولكنّها تتجلّى كلّما أراد أن يجد لعقله عطلة تريحه من المنافسة المتوحشة والمادية التي يعيشها البشر اليوم.

بقلم الكاتب والروائي أنور رحماني

هل كان الإنتقال من فكرة الآلهة المتعدّدة إلى فكرة الإله الواحد أوّل بوادر التخلّي عن الله؟:

بل أبعد من ذلك؛ إذْ أنّ عمليّة التخلّي هذه بدأت يوم تخلّى الإنسان عن فكرة الإله الحامي واتجه نحو فكرة الإله الخالق، فالآلهة أيضًا تطوّرت مع تطوّر العقل البشري وتصوّراته فبالبدء لم ينظر الإنسان للآلهة كخالقة للوجود، بل كحامية للإنسان من ظواهر الوجود، إذ أنّ الإله والإنسان كانا كلاهما في علاقة تكاملية داخل نُسُق الوجود في حدّ ذاته، فالإله في بداية الوعي التديّني البشري لم يكن بمثابة الخالق بل الحامي؛ بمعنى أنّ الإنسان كان يمثّل في الوجود الحلقة الضعيفة ثمّ يمثّل الوجود نفسه الأرضية القوية والقاسية على الحضور البشري ثمّ يأتي الإله الذي يمثّل الكائن الأقوى من الوجود وظواهره ليحمي الإنسان.

ثمّ أنّ المخيال البشري وتطوّراته ألزم الإنسان على إيجاد شكل جديد للآلهة أكثر منطقية وأكثر حزمًا ضدّ الوجود، فظهرت فكرة الإله الخالق والحامي في نفس الوقت، إذ أضيفت هذه الوظيفة السامية للرب وتحوّل الإله من مجرّد حارس قوي يحمي الإنسان من الظواهر الوجودية إلى خالق خلق الإنسان والوجود معًا، ولم يعد الرب مجرّد مقابل وجودي حتمي للإنسان بل تحوّل إلى السبب المباشر في وجود هذا الأخير ولم تعد العلاقة تكاملية كما كانت بل غدت علاقة سببيّة.

ولو أنّ الإله كان خالقا وحاميًا إلّا أنّه بقي متعدّدًا في الوعي البشري وبقي مُلازمًا للإنسان بتعدّده، واختصّ كل إله بظاهرة وجودية معيّنة سواءً كخالق أو كحامي، فأصل فكرة الآلهة المتعدّد ة ليس التعدّد في حد ذاته بل التخصّص، وهذا يعني بالضرورة أن الربّ كان منقسمًا بشكل منطقي وبترتيب حسب حاجة الإنسان وهذا دليل أن الحاجة البشرية هي التي خلقت الرب وقدّمت له كل وسائل التسلّط بعدها بناء على التقديس، وكان هذا كلّه بنيّة التخلّص من الخوف.

ثمّ بحث الإنسان عن إله أقوى، إله أقدر على حمايته والتسلّط عليه من الآلهة المتعدّدة والمتخصّصة التي تبدو في منافسة مُتواصلة وغير قادرة على توحيد البشر في قداسة واحدة، فجُمِعت تخصّصات الآلهة في إله واحد متعدّد التخصص، إله خلق ويخلق كل شيء، وكامل المعرفة ومنزّه عن الخطأ، فتوحّد الله في مخيال معظم المجتمعات البشرية ورسم كل مجتمع تصوّرًا أُحاديا عن هذا الله، كلٌ حسب قناعاته الدينية.

ومن هنا نلاحظ بوضوح أنّ المجتمع البشري ظلّ دائمًا يتخلّى عن فكرة الله لصالح فكرة أخرى لنفس الله، وبالتالي فالله كان دائمًا فكرة قابلة للتطوير، وهكذا كانت التصوّرات الذهنية التي رافقت البشر منذ خلقهم لأوّل نموذج إلاهي، إذ لم تكن  فكرة الله ثابتة بل متطوّرة بشكل مستمر لإيجاد بدائل ربّانية أكثر فعالية حسب الحاجة، فإذن عمليّة التخلّي عن الله كانت ولا تزال  فعلًا قائمًا وبمراحل عدّة عبر الحياة البشرية منذ نشأته الأولى إلى اليوم، وليس فعلًا بلا جذورٍ تاريخية كما قد يُفهم ذلك.

هل المجتمع البشري متردّد في عمليّة التخلّي عن الله؟:

هذا ما يبدو عليه، إذ أنّ عمليّة التخلّص من أعباء هذا الإختراع البشري القديم تبدو عمليّة صعبة، إذ أنّ الرمزية الثقيلة التي اكتسبها الإله الواحد منذ تطوّره إلى يومنا هذا بات يمثّل حاجزًا نفسيًا كبيرا في الوعي البشري، فالله لم يعد صنمًا أو تمثالًا أو طقوسُ دينية، بل غدى مؤسّسة قائمة لديها معابدها ومفكّريها وأدواتها المادية أيضًا، فعملية التخلّي هذه التي بات يقوم بها الإنسان اليوم هي عمليّة شاردة وغير ثابتة بشكل عام،  ويصعب بسبب هذا الأمر التنبؤ بالزمن المحدّد للتخلّي المطلق عن فكرة الله، متى ذلك؟، أين ذلك؟، كيف ذلك؟، هي كلّها أسئلة ستدرك أجوبتها مع السيرورة الحتمية لهذه العملية.

وإنّ هذا التردّد مردّه أيضًا لكون المعرفة الحديثة بكل أدواتها العلمية والفلسفية، وكذلك أدواتها المساعدة الأخرى كتلك الفنية والأدبية، لم تحسم أمرها في فكرة الله بعد، فالله لايزال غامضًا ولا تزال فكرته مطروحة على النقاش، ولو أنّ هذا النقاش في حد ذاته هو نوع من التمرّد على الله بجعله فكرة قابلة للنقد وللتقيّيم وهو ما يمثّل نوعًا من التخلّي أيضًا.

إنّ هذا التردّد يمثّل بشكل أكيد دليل على تواصل هذه العملية المعقّدة، ولا يمكن إعتباره بأي شكل من الأشكال دليلًا على فشل العملية، إذ لا أحد يسير بشكل طوعي من أجل حث البشر على التخلّي عن معبودهم، بل هي سيرورة تاريخية طبيعية تحدث بشكل تلقائي ومتواصل ومنذ النشأة الأولى لله.

بقلم الكاتب والروائي أنور رحماني

ما بعد الله وما بعد بعد الله:

هناك فرضيتين محتملتين لنواتج عمليّة التخلّي عن الله في الوعي البشري، أوّلهما إمكانية بروز شكل جديد للآلهة في المخيال العام، وهذا إذا ما اعتبرنا أنّ التردّد سيأخذ بعقول البشر في آخر المطاف إلى البحث عن خلق ربٍّ جديدأكثر حداثة ويتناسب مع وعيهم العصري ولو كان هذا الخلق بمثابة إعادة النحت على نفس مجسم الله القديم في الوعي العام وبهذا يكون الوعي البشري قد اختار مسك العصى من الوسط، أمّا الفرضيّة الثانية فتتمثّل في التخلّي المطلّق عن فكرة الله لتتحوّل بذلك المجتمعات البشرية إلى مجتمعات مادية بشكل كامل ولا يمكن حتّى توصيفها بالإلحاد لأنّ هذا المصطلح سرعان ما سيتلاشى مع الله كنقيض لصيق بفكرة الإيمان.

أمّا المرحلة اللاحقة للفرضية الأولى فهي بالضرورة الوصول مع الوقت إلى حالة الفرضية الثانية مهما طال أمدها، أمّا إذا تحقّقت الفرضية الثانية فسنكون أمام حالتين؛ الأولى هي الجنوح نحو إعادة خلق إله بشكل مادي من جديد لتعويض أي نقص قد تشعر به الحضارة الإنسانية في أوج ماديتها، أو كحالة ثانية المواصلة في تجاوز الإله مع خلق بدائل روحية غير مؤلّهة كالطبيعة أو الزمن، أو الأبعاد الأخرى التي قد يستنبطها الإنسان من محيطه الفيزيائي أو حتّى الإجتماعي آنذاك.

أمّا حاليًا فقد بدأت الصين بخلق النموذج البديل لله فعلًا لتعويض النقص، وهذا الإله هو نضام إلكتروني يراقب الأشخاص وينقّطهم حسب أفعالهم، وبهذا تحوّل الله في هذه الدولة المادية إلى برنامج إلكتروني يمثّل وظيفة تأليه الدولة في حدّ ذاتها، وهذا النموذج دليل على تواصل علميّة التخلّي التي بدأت في النشأة أساسًا.

كيف ستكون الأخلاق بعد التخلّي عن الله:

لقد تجاوز القانون في العالم المتقدّم الله بشكل سريع وأصبحت النصوص القانونية مجرّدة وغير قابلة لتدخّل الدين أو كهنته، أمّا الأخلاق فقد بقيت دائمًا عرضة لهذا الإقحام الديني المستمرّ، وأصبح من الشذوذ إيجاد بدائل أخلاقية خارج إطار الدين، ولكن في عالم ما بعد الله سيحلّ بالأخلاق ما حلّ سابقًا بالقانون، أي أنّها ستنفصل عن الدين وعن كهنته، إلّا أنّ التنصّل من التأثير الكامل للدين لن يكون مطلقًا بل ستبقى بعض التأثيرات المتعلّقة ببعض التوجّهات الفلسفية الدينية الإجابية مؤثّرة في الوعي العام البشري كونها أصلًا تأثيرات بشرية ولو كانت دينية.

 

بقلم الكاتب والروائي أنور رحماني

إنّ العالم ما بعد الله لن يكون بالضرورة عالمًا متخلّيًا عن وظيفته، بل سيكون معدّلًا لها على أقل تقدير، ماسحًا لها نهائيًا لو أخذ هذا التحوّل تطرّفًا سريعًا نحو المادية المطلقة، وسيكون من الصعب في هذه الظروف أن يتأقلم المجتمع البشري مع أي شكل من أشكال القداسة أو الكهنوت، ولكن من المفترض جدًا أن يخلق الإنسان أنظمة مؤلّهة بأي طريقة كانت، لتعويض النقص الذي قد يشعر به المجتمع البشري خاصة مع الصدمة التي سيتعرّض لها في حالة التخلّي المطلق عن الله، وبعيدًا عن التأويلات الدينيّة المشتتة للحضور البشري لكلّ ما هو فكري أو فلسفي أو علمي سيتمكن الأنسان عاجلًا أم آجلًا من إحقاق التغيّير الثوري في وعيه الوجودي وفي فكرة الله في حد ذاتها وهذا إحقاقًا للسيرورة التاريخية، المستمرّة والحتمية.

أنور رحماني

إظغط  على الإسم بالأزرق هنا لزيارة حساب الكاتب

أنور رحماني

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *