arablog.org

منظومة الله السياسيّة: هل يمارس الله السياسة في الإسلام؟

 

 

دولة الله ما بين الميثولوجيا الإغريقية والتقنين الحامورابي وبين القومية الدينيّة اليهودية والتبشير المسيحي:

 

بقلم الكاتب والروائي أنور رحماني

يخرج الخطاب الديني الإسلامي عادةً عن الميثولوجيا المقدّسة ليتسّع إلى مجالات أخرى تهمّ الحياة المدنية؛ فيستثمر في حقل الإقتصاد فيشرّع للتجارة، وفي القانون فيقنّن العقوبات، وفي السياسية فيؤسّس لمفهوم الدولة من منظوره الخاص، وبل حتّى في الرياضة فيدعو إلى السباحة والرِماية وركوب الخيل، إذ أنّ الإسلام لم يترك مجالًا من مجالات الحياة الحضارية إلّا وغاص فيه واضعًا أسُسًا جديدة له من منطلق التقديس، وإنّ هذا الحشر الديني يضعنا أمام حقيقة هامة مفادها أنّ الإسلام لم يكن يؤسّس لدين على قدر ما كان يؤسّس لثورة إجتماعية ويقيم دولة على أساس مقدّس، وبذلك التصوّر كانت الدولة “الإسلامية” دولة إجتماعية مقدّسة ينظّمها القرآن والنصوص المقدّسة كبرنامج محرّك غير قابل للنقد أو التدقيق، فتوقّف التشريع، وتوقّفت الهيكلة البنائية للدولة، لتبقى الدولة متراسة وثابتة وغير قابلة للإزالة أو حتّى التطوير.

إنّ مفهوم الدولة في الإسلام الذي يستعمل “القوميّة الدينيّة” على الطريقة اليهودية قالبًا له والفاقد لشكلية الدولة الحديثة قد أخرجه من ثوب الدولة العادية التي لها  عادة حدودًا وإقليمًا معيّنًا وشعبًا مجنّسًا ومتجانسًا أو متعايشًا إلى ما هو أقرب لمفهوم الإمبريالية التوسّعية بعد تشريعه للجهاد، مع أنّ الإنضمام لهذه القومية الإسلامية الحديثة والإنضمام للدولة يكون سهلًا بالإنضمام إلى الدين بنطق الشهادتين ولا يحتاج إلى رابطة الدم أو الأرض، فكان ذلك تأثّرًا بالعالمية المسيحية والتبشير، فقد أخذ الإسلام من اليهودية مفهوم القوميّة الدينية وأطلق عليها تسمية “الأمّة الإسلامية” وهو نفس المصطلح الذي كان يستخدمه محمد رسول الإسلام لوصف أتباعه “أمّتي”،  وأخذ من المسيحية “التبشير النصراني” ليظمّ أكبر عدد ممكن من الموالين ليقوّي بهم دولة الإسلام.

بقلم الكاتب والروائي أنور رحماني

وإنّ مفهوم الأمّة كما جاء به الإسلام يشرح الإرادة الحقيقيّة التي انتابت مؤسّس الديانة لبعث  دولة إمبراطورية عوض “دين”، إذ أنّه لم يكتفي بمجرّد بعث ديانة عادية لإنقاذ الناس من خطاياهم أو تخليصهم منها كما فعلت المسيحية، ولم يقدّس قوميته كما فعل اليهود بل أخذ من الإثنين ما يصلح وما يفيد، ليغذّي شعور الإنتماء لهذا الكيان الجديد من جهة عن طريق التأسيس للقوميّة، ولتوسيع هذا الكيان جغرافيًا وبشريًا عن طريق “الدعوة والجهاد” من جهة أخرى.

لقد أغوت فكرة “دين لشعب” اليهودية الإسلام إلى حذو حذوها في خلق نظام “دين لأمّة”، دين يمثّل كيانًا سياسيًا مستقلًّا وذو سلطة قائمة وشعب وإقليم ويمثّل أيضًا حالة شعورية قابلة للتمرير والإنتشار كأفكار مقدّسة تقدّم منظورًا جديدًا لفهم الحياة وعيشها كأي دين آخر، فالإسلام بفكرة الإله الواحد لم يخلق فكرة جديدة ولم يطوّرها، فهذه الفكرة كانت واسعة الإنتشار في شبه الجزيرة وفي المنطقة المحيطة ومنذ مئات السنين إن لم نقل الآلاف، ولكنّ الجديد الذي أتى به الإسلام يكمن في هذه الفكرة التسيّسيّة للمشروع المقدّس في إطار معقّد من التراكيب الإجتماعيّة والسياسية والعسكرية والإقتصادية، فالإسلام لم يكن أبدًا صلاة وزكاة وحجًّا وصيام، بل كان ولايزال دائمًا مشروع دولة قائمة بذاتها وبأبعادها في حيّز مفتوح يضّم كلّ من “الأمّة الإسلامية” التي تكوّن المجال القاعدي للدين، إلى الله الذي يمثّل حارس الفكرة المقدّس في ذهنيات المؤمنين الذين يحلّون محلّ المواطنين في الدولة الحديثة.

الدولة الذهنيّة في الإسلام: أين هي الدولة؟:

بقلم الكاتب والروائي أنور رحماني

عندما كانت الدول تُدَكّ في حصونها، تخرّب قلاعها وتسيطر جيوش الغزاة على إقليمها، فكّر الإنسان في تشيّيد دوله ومدنه الأهم في أماكن أبعد ما تكون عن أطماع العدو، فاستوطن الجبال ـأو وديان الصحراء أو غيرها، وحصّن نفسه بالأسوار العالية ونظّم جيوشًا للدفاع وللهجوم لضمان إستمرارية الدولة، ولكن لم يخطر لأحد أن يفكّر في ذلك المكان الصغير والآمن لقيام دولة، وقد فكّر فيه الإسلام، إنّه الخيال.

لقد ركّز الإسلام على بناء دولة في العقل الباطن، دولة في المخيال العام والفردي، دولة ذهنية مقدّسة تفهم عن طريق الإيمان بالله، فأصبحت الدولة الإسلامية فكرة مقدّسة تنتقل من رأسٍ لآخر وتتوسّع بشريًا وإقليميًا ومحميّة بفعل الإيمان بالدين دون الحاجة إلى أسوار عالية، ذلك أنّ الدولة المراد تشيّيدها في الإسلام هي دولة أذهان، دولة تقع بداخل رؤوس المؤمنين بالإسلام دون الحاجة لتجنيسهم أو الإعتراف بهم حتّى، ولكي تبقى الدولة الإسلامية محميّة وغير قابلة للسقوط كان عليها أن تكون دولة دين منذ البداية وليس مجرّد دين دولة كدين مسيّس.

إنّ تسيّيس الدين لم يبدأ حديثًا بل هو نواة الإسلام ولبّه، الإسلام وُجِد منذ البداية مسيّسًا وكان المسجد النبوي منذ البداية المشرّع والمنفّذ والقاضي، ولا سلطة فيه تعلوا على السلطة الإلاهية ، السلطة السماوية التي لا يمكن لأحد نقدها أو مجادلتها، إنّها الديكتاتورية المطلقة بنكهة هذا العصر السحيق حيث كان من الواجب إنذاك تكميم الأفواه لإقامة دولة.

وإنّ شكل الله، الآمر، الغاضب، المنتقم، المحرق، المعذّب، المدمّر، الملك الذي يجلس على العرش ليأمر، كانت بمثابة ترسيخ لفكرة الدولة الإسلامية أكثر وأكثر في ذهنيات المؤمنين، فالنظام السياسي الإسلامي أكبر من مجرّد فكرة مقدّسة، بل هو إله مقدّس، نظام سياسي مألّه ومربّب، حيث رئيس الدولة الذهنية الجديدة أبعد ما يكون عقليًا عن السقوط أو الزوال، فقد فهم مؤسّس الإسلام أنّ خيال المؤمنين هو أفضل مكان لإقامة عرش الرئيس وهناك حتمًا سيكون النظام السياسي بمعزل عن أي محاولة إنقلاب، فالنظام هناك سيكون جزء من كل فرد يحتويه في عقله وسيصبح الفرد هو الحارس المطيع والمبرمج لحماية هذه الدولة الأبدية؛ الإسلام.

 

هل نظام الله السياسي يشبه نظام البشر  في الإسلام؟:

بقلم الكاتب والروائي أنور رحماني

زوس، كبير الإلهة الإغريقية وهو يجلس على العرش

لقد أخذ الإسلام بفكرة الإله المشخّص التي أثّرت فيها بشكل كبير الحضارة الإغريقية، وكانت فكرة آلهة جبل أوليمبوس هي أكثر فكرة إغريقية أثّرت في نسج صورة الله في الإسلام، فقد وحّد الدين الإسلامي بين إختصاصات آلهة الإغريق كلّها في إله واحد وكانت بذلك أسماء الله الحسنى، وتشكّلت صورة الله الأخيرة شبيهة بكبير الآلهة الإغريقية زيوس القوي والجبّار.

وبغضّ النظر عن هذا التشابه الكبير بين الإله الواحد الإسلامي وفكرة الآلهة الأغريقية المتحكّمة في أمور الحياة والطبيعة، فإنّ الله في الإسلام يمتلك منظومة إدارية كبرى لسلطانه في المخيال العام للمؤمنين، فهو الذي يجلس على العرش، يمثّل بشكل واضح صورة الإمبراطور القوي والملك الجبّار، وتحته حملة العرش من المستشارين، ثمّ الوزاء والذين يتمثّلون في الملائكة، جبريل وزير الإتصال (الوحي)، ميكائيل وزير المالية  (الرزق)، موكل وزير الري والموارد المائية (المطر)،  وغيرهم من الملائكة الوزراء أمّا وزارة العدل فقد إختصّ بها الرئيس حيث سيحاسب الناس جميعًا في يوم واحد بين عقاب أبدي يتمثّل في الجحيم وأجرٍ أبدي يتمثّل في الجنّة وحيث لا مجال هناك للتوبة أو الغفران، وإنّ مشهد الميزان الذي يحيلنا عليه القرآن آنذاك يرمز بشكل واضح لمفهوم المحكمة ومفهوم الكيل، ثمّ يأتي بعد ذلك الملائكة الجواسيس الذين يعيشون في أكتاف البشر يسجّلون كلّ أعمالهم لرفع صحفهم إلى الرئيس في منظومة مخابراتية كاملة لا غبار عليها.

ولكي تكتمل الصورة أكثر، كان على دولة الله أن تحوز قانونًا خاصًا بها فكانت شريعة حامورابي والعقوبات اليهودية أكثر ما أثّر على الإسلام، فأخذ الإسلام بمبدأ حامورابي الشهير الذي قنّنه قبل ألاف السنين من ظهور الإسلام في بلاد الرافدين “السن بالسن والعين بالعين والبادئ أظلم”، كما حافظ نظام الدولة الإسلامية على بعض العقوبات التي عرفها العرب أو تلك التي أخذوها عن اليهود أو عن الحضارات التي تقربهم كالحضارة الفارسية والرومانية والحبشية…

 

إنّ الإسلام ببنائه دولة ذهنية في عقول المؤمنين خطّط لبقائه إلى الأبد بخلق شعور الإنتماء والوطنية الإسلامية أو كما سمّاها “الأمّة الإسلامية”، وقد أخذ من الإرث اليهودي والمسيحي ومن التوارث الثقافي الحضاري لبعض الأمم ما يعزّز به أركان هذه الدولة، حيث جُعِل الله رئيسًا وملكًا على إمبراطورية كبرى شعبها يتمثّل في كل البشر وأقربهم له طبعًا المسلمون، وبهذه الطريقة يمكن إعتبار تسيّيس الإسلام لم يكن فعلًا حديثًا أو مارقًا عن الإسلام بل هو الإسلام في حدّ ذاته ولا يمكن الخروج من هذه الأزمة الفكرية التي تتخبّط فيها الشعوب الإسلامية اليوم إلّا بنزع هذه الصلاحيات السياسية والتشريعية عن الله الإسلامي وجعله إلهً دينيًا عاديًا كل ما يربطه بالمؤمنين هو العاطفة والميثولوجيا، فدولة الإسلام ليست دولة بدين بل هي دولة دين، حيث الدين فيها هو الدولة وليس جزءً منها، واليوم الحاجة كل الحاجة لتحرير الدولة من أطر الدين المقدّسة.

أنور رحماني

إظغط هنا لمتابعة حساب الكاتب على الفايسبوك: أنور رحماني

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *