arablog.org

الجزائر: الأخ الكبير يراقبك…

بقلم الكاتب والروائي أنور رحماني

يأخذنا جورج أورويل في روايته الشهيرة 1984 إلى عالم ديكتاتوري مغلق تحتكر فيه السلطة السياسيّة الحقيقة، ويعيش فيه الأفراد مجرزة فكريّة متعمّدة ورقابة وصائية على الجميع ومن الجميع، حيث تحوّلت العادات التي زرعها النظام السياسي في الوعي العام إلى غريزة لدى الشعب، حيث كانت تنظّم تظاهرات لتمجيد الكراهية، و تؤسّس تنظيمات شبابية ضدّ الجنس، وحيث تمنع كتابة الخواطر أو المذّكرات، ويحرّم إطفاء شاشة الرصد “التلفيزيون”، ويجرّم  كل من قد تسوّل له نفسه تجاهل البروباغندا السياسية للنظام أو حتّى التشكيك في مصداقيتها، وحيث صورة الأخ الأكبر، الزعيم، معلّقة في كل مكان بشانبيه الغزيرين وبتقاسيم وجهه الأربعينية وحيث الجميع يؤمن بشكل مطلق وغير قابل للتشكيك بوجود هذا القائد الحارس الذي يحكم هذه الدولة وكل أساطيرها في ذهنية الشعب وحيث لا مجال نهائيًا لنقده أو التساؤل عن حقيقة وجوده.

عند كتابته هذه الرواية كان جورج أورويل يفكّر في بلده إنجلترا، وكان يحذّر الأجيال القادمة من شعبه الإنصياع لأي شكل من أشكال الديكتاتورية السياسيّة، ليحفّز الشعب على مقاومة أي عنصر دخيل على المنظومة السياسية العادلة، والحفاظ على النظام الحر الديمقراطي وعلى الحريّة الفكرية للفرد لكي لا تتحوّل بلاده إلى مسرحيّة سياسية يعيش فيها الجميع في معاناة متواصلة من أجل حفنة من المستغلّين السياسيين والإنتهازيّين الذين بإمكانهم إرتكاب أي جريمة من أجل مصالحهم الخاصة، ولكنّ أورويل لم يكن يظنّ أن روايته ستتكرّر بتفاصيلها في القرن الواحد والعشرين وفي الجزائر.

أنور رحماني

وكان ذلك بالتفصيل؛ فمنذ مرضه قبل سنوات لم يرى الجزائريون رئيسهم إلّا في حالة كابوسية مزرية ممّا أفقد الشعب نهائيًا ثقته في دولته ومؤسّساتها، ولذلك عزّز النظام السياسي من حضوره في المخيال العام بنشر صوره  وهو في صحّة جيّدة في كلّ مكان، وبطريقة هيستيرية تعكس ركنين مهمّين في التخطيط السياسي للنظام، أوّلهما هو تعويض الرئيس بصوره في الوعي العام وثانيهما تذكير الشعب بوجود هذا الأخ الأكبر الذي يحرسهم ويراقبهم و بكونه لايزال يحكم البلد وبيد من حديد، في مشهد لم تعرفه الجزائر منذ إستقلالها، إذ لم يمجّد رئيس نفسه بهذه الطريقة أبدًا، حيث بات من الواضح جدًا أنّ الجزائر تعيش فصول رواية جورج أورويل بشكل مماثل تمامًا، فالرئيس في كل مكان، في كل شارع، في كل زقاق، وهناك حتّى من طالب بوضع التماثيل الذهبية له، ووضع صوره بداخل المساجد، وذلك للتعويض عن النقص الحاد الذي مسّ الدولة الجزائرية بشغور منصب الرئاسة.

وزادت شرطة الفكر الطين بلّة، إذ أنّ ظاهرة الوصاية الدينيّة والفكريّة على الأفراد زادت بشكل كبير جدًا في الجزائر بعد مرض الرئيس، فلأوّل مرّة في تاريخها أصبح المواطنون يقتادون إلى السجون بتهم عرضية تافهة لا أساسًا قانونيًا لها، وعلى رأسها إتبّاع مذاهب دينيّة مختلفة كالمذهب الأحمدي، أو إتّباع جماعة القرآنيّين، أو تغيّير الدين أو التعبير عن الأفكار المخالفة للتصوّر الديني العام، وتصرّفات أخرى كمصادرة الكتب ومحاكمة الأفكار، ممّا يجعل الجزائر غارقة من أخمص قدميها إلى رأسها في وحل دولة الأخ الكبير، وزادت بعض التصرّفات الفردية للعناصر الأمنية من تلويث هذا الجو الملوّث أصلًا، وكل هذا من أجل تمرير فكرة وجوده، وجود الصورة، وجود الأخ الأكبر الذي هو هنا وهو يراقب الجميع ويحرسهم، ليزداد خوف الجميع، وينزل سقف الحريّة أكثر، ولتتمكّن وزارة الحقيقة وأجهزة الرصد من الثرثرة الدائمة وتحقيق المصالح الشخصيّة  للإنتهازيين بشكل متواصل.

أنور رحماني

إنّ عمليّة الطمس التي يأتيها نظام الأخ الأكبر والقائد المفدّى على عقول الأفراد ومنعهم تعميل عقولهم أو إستغلالها بشكل فردي، وعمليّة غسل الأدمغة التي يكون الشعب كلّه عرضة لها لا تأتيان أكلهما إلّا في إطار عام من الفوضى الأخلاقية والفساد وضمن قابلية مطلقة للإستعباد والخوف من الشعب، ولذلك تحوّلت هذه العادات السيّئة اليوم في الجزائر إلى غريزة بسبب التكرار المتواصل، تمامًا كما توقّع جورج أورويل، وأكثر من ذلك، بات الشعب بأكمله صورة طبق الأصل عن الأخ الأكبر، وبات الجميع جزءً هامًا من المسرحية السياسية المبنية على اللامبالاة ومن يأكل القطعة الأكبر من الطورطة.

عندما تمرّد ونستون على النظام في رواية  1984 بتجريبه الحب من جهة وبكتابته لمذكّراته من جهة أخرى، عذّب أبشع أنواع العذاب، واستطاع النظام من خلال إستغلال أبشع مخاوف أورويل من جعله يتمرّد على ذاته وعلى فكره وعلى كينونته وينسى نفسه أصلًا ويندمج بشكل تلقائي مع النظام العام وبإرادته المطلقة، وبعد جلسات متواصلة من الألم المتواصل أصبح ونستون يعشق الأخ الأكبر ويذرف لعشقه الدموع، ويقول في آخر الرواية جملة تلخّص كلّ شيء: “لابأس، لقد إنتهى النضال، وانتصرت على نفسي، وصرت أحب الأخ الأكبر”.

 

أنور رحماني

لمتابعة الكاتب عبر حسابه على الفايسبوك الظغط هنا: أنور رحماني

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *