arablog.org

رسالة الى علي بلحاج بقلم الكاتب أنور رحماني

 

رسالة الى السيد علي بلحاج

ها قد مرّت ثمانية وعشرون سنة على صرختك الشهيرة: “ندير سلاح، وندير لكلاش، يخوفو فينا”، صرخة كلّفت الجزائر عشرية دموية راح ضحيّتها أزيد من مئتي ألف قتيل، وها أنت لازلت الآن تصرخ من داخل المساجد وتدعو الناس الى الالتفاف حول مشروعك الاسلاماوي على الطريقة الطالبانية، وكما فعلت دائمَا لازلت تستخدم نفس شعار الديمقراطية ونفس التوصيفات المضادة للديمقراطية كأن تصف كل من لا يشترك معك في الفكرة كجبّار وكافر وفاجر وغيرها من المصطلحات التي تبدع فيها دائمًا..
السيد علي بلحاج، ربّما لسنا أصدقاءً ولسنا على نفس الصفيح، ولكن تبقى أخي ليس في الاسلام كما تحلو لك الأخوّة فقط ولكن في الجزائرية أيضًا، وانّي أتفهّم شيئين مهمّين أيضًا في خطابكم؛ اوّلهما أنّك تريد الثأر لنفسك وأن تخرج منتصرًا بعد هزيمة نكرا بعد أن أمسيت ترى النظام السياسي يضعف في الجزائر فوجدت الوقت مناسبًا لمعركة سياسية موشوحة بلباس الانتقام، أمّا الثانية فأنت تريد الظغط على النظام بطريقة أو بأخرى من أجل الظفر ببعض المردود لحركتكم الموؤودة وبعض الخصوصيات الأخرى ربّما على الصعيد الشخصي أو العائلي، وما أفهمه أيضًا فيك أنّك ومن معك لا يحرّككم كره الوطن أو كره الشعب لأجل القيام بما تقومون به، بل ايمان راسخ فيكم بأنّ الله وحده القادر على رفع الدول وإعلاء كلمتها بينما نحن في عصر لم يعد يؤمن بوهم الآلهة انّي أعلم أن ما يحرّككم هو قناعة وليس عطش للسلطة فقط وبالرغم من أنّكم تريدون السلطة أيضًا كونكم بشرٌ بكلّ مشاعر الانانية وحب الذات التي أودعتها الطبيعة في البيولوجيا النفسية البشرية وهذا من حقّكم الذي لا أتجرّأ على نقده وانّما فقط لتذكريك، ولكن هناك أشياء ربّما تتجاهلونها في خطاباتكم، ويتجاهلها أنصاركم أيضًا ولا أظنّكم مغيّبين عنها بل أنتم واثقون منها وعالمون بها ولذلك تكتسبون هذه الجرأة والشجاعة والوقاحة أحيانًا لكي تقولون ما تريدون وقت ما تريدون دون خوف أو رادع.
هل تساءلت يا بلحاج عن سبب ترك النظام لك تعثو في مساجده بخطاباتك وأن يعطيك فسحة من الوقت لتسجيلها ووضعها على مواقع التواصل الاجتماعي على الانترنيت؟ هل تساءلت بينك وبين نفسك لما يقوم النظام باعتقالك على طريقة السيرك لساعتين ثمّ يطلق سراحك ويترك أنصارك يسجّلون هذا وينشرونه؟ هل تساءلت بينك وبين نفسك لمَ كل العلمانيين من يتجرّأون على نفس الأفكار الدينية التي تدافع عنها أو على النظام أو من الشباب أيضًا يدفعون الثمن سنوات في السجون في هذه المرحلة الآمنة دونك أنت الذي يقول ما يريد وقت ما يريد؟
الجواب على هذا سهل جدًا… أنت عدو للنظام هذا أمر مؤكّد منه ولكنّك عدو ايجابي، عدو مفيد، فأنت تقدّم صورة مغالطة عن المجتمع الجزائري وعن شبابه ومعارضته، أنت ومن معك تصوّرون الجزائريين على أنّهم شعب غارق في التطرّف الديني فأنت كما تعلم والاسلاميين معك مكروهين في المجتمع الدولي وهذه هي الحقيقة ولن تسمح القوى الدولية أبدًا للجزائر أن تتحوّل الى امارة اسلامية على شاكلة أفغانستان طالبان على بعد بضعة كيلومترات من أوروبا، ولذا فالنظام يستثمر فيك وفي أمثالك ويهيء لكم كلّ البيئة المساعدة لانتشار أفكاركم وفي نفس الوقت لتصويركم في موقف الضحيّة لتكتسبوا دائمًا تعاطفًا شعبيًا يحول بين الشعب وبين الموضوع الرئيسي كيف يخلق دولة ناجحة؟، سيعمل النظام دائمًا على حمايتكم ولو بالاظطهاد/ الحماية بالاظطهاد المزيّف و الحماية بتدمير نواة المعارضة الحداثية التقدميّة وتسخيفها والحماية بخلق جو يسمح بتكاثر المؤيدين لكم، تمامًا كما حدث في التسعينات وهذا لكي يكون للنظام دائمًا ورقة خضراء من المجتمع الدولي تسمح له بمحاربة الديمقراطية في الدولة الجزائري وابقاء الشعب الجزائري دائمًا تحت وصاية الحاكم ورهينة المصالح الشخصية للحكّام والمصالح الدولية، وهكذا بفضل معارضتكم الدينية المزيّفة تبقى الجزائر دائمًا بين المطرقة والسندان.
عزيزي بلحاج، لا اريد بهذه الرسالة توبيخك أو أن أجعلك تبدو دمية في يد الحاكمين على الرغم من أنّك كذلك الآن وربّما لا تدري ذلك، بل أريد منك أن تكون أكثر ذكاءً هذه المرّة وأن تفوّت عليهم الفرصة وأن تتفهّم أنّ الديمقراطية ليست أن تصل للحكم بل هي نمط عيش اجتماعي مخالف للافكار التي تؤمن بها فالديمقراطية لا يمكن لها أن تكون غطاء للديكتاتورية الشمولية، سواء أن كانت عسكرية أو اسلامية، الدين لله والوطن للجميع، عزيزي بلحاج فكّر فكلّ هؤلاء الشباب والأطفال الذين يولدون كلّ يوم بالصدفة في وطن اسمه الجزائر، هل تريد لهم الموت أيضًا وسنوات أخرى من الدم والارهاب سواء أن كان ذلك بفعلكم أم بفعل فاعل كان، بلحاج فكّر جيّدًا، لسنا أنا وأنت في نفس الصف ولكنّي بالتأكيد بامكاني أن أتفق معك ان كان في الأمر مصلحة للجزائر ويمكنني أن لا اتفق معك عندما لا يكون للأمر مصلحة للجزائر، بسبب تهوّرك استفاد البعض منذ ثمانية وعشرين سنة لإيجاد ذريعة للانقلاب على أوّل نموذج ديمقراطي في المنطقة وكانت الذريعة منطقية جدًا ولو كنت في مكانهم لفعلت نفس الشيء لا يمكننا أبدًا أن نسلم البلد لشخص متهور كما كنت، ولكنّي أدعوك لأن تلتزم عقلك ولغة الديبلوماسية لأنّ في الجزائر شعب له حياة ومشاعر وأطفال وليس أمرًا عاديًا لهذه الدرجة لنقذفهم للموت، شريعة الله يا بلحاج هي العدل وليس قطع الأيادي وجلد الناس، أترك الناس لبارئهم وهيّا بنا، شعبًا بأكمله، بعلمانييه واسلامييه، بأمازيغه وعربه، بكل ما فيه نفكّر في جزائر عادلة وآمنة ومتقدمة للجميع، جزائر تعيش فيها أنت كما تريد ويعيش فيها من هم على نقيضك كما يريدون.
الدولة يا بلحاج ليست قانون العقوبات، الدولة هي مؤسسة قائمة تهدف لحماية شعبها ومقدّراته وتحقيق العدل فيها والأمان، ليس المهم اليوم أن نقطع يد السارق بل المهم أن لا يكون هناك لصوص، ليس المهم أن نجلد الزناة بل المهم أن لا يكون هناك كبت جنسي في المجتمع، ليس المهم أن نعدم القاتل بل المهم أن لا يكون هناك قتلة، الحل ليس في ايجاد نتيجة للمشكلة الحل في ايجاد السبب ثمّ قطع دابره.
أدعوك يا بلحاج لأنّ تفكّر ثانية بينك وبين نفسك وأن تزن الأمور جيّدًا، هل تريد فعلًا أن تبقى دمية في يدهم يخيفون بك بعض الشعب و يستميلون البعض الآخر لصفّك لكي يسهل عليهم تدميرهم لاحقًا، أم أنّك تريد جزائر التشارك والعدل التي تحتوي الجميع تحت سقفها، الجزائر المتقدّمة الكبيرة والتي تسع الجميع؛ تسع المسلم الذي يعتكف في مساجدها، وتسع أهل الكتاب من فيها وتحميهم كمواطنين فيها مثلهم مثل باقي المواطنين أو كأجانب وجب عليها حمايتهم، وتسع الملحدين وأفكارهم وأن يتعلّم الجزائريون لغة الحوار والنقاش عوض العنف والتعصّب لأي تيّار كان.
أتمنّى يا بلحاج أن تصلك هذه الرسالة وأن تفهمها جيّدًا، ولعلّك ستجد في هذا النهر الصغر ما لم تجده في البحار التي قطعتها، فلا أحد يعلم كيف يريد الله أن ينبّه عبده لأمر، وربّما الله يريد أن ينبّهك من خلالي….
أنور رحماني

  1 comment for “رسالة الى علي بلحاج بقلم الكاتب أنور رحماني

  1. كمال
    25 أغسطس,2018 at 9:45 ص

    اطلب من الاخ الكاتب طلب لقاء مع علي بلحاج حتى تعلم بعض ما تجهله ياسيدي ولو انا شخصياً اتعارض في الكثير من الآراء مع بلحاج لاكن اشهد بأنه رجل مواقف و كلمة واحدة، وأما رأى في رسالتك اقول إن يجب عليك أن ترى الأشياء بمنظار اخر فانت بين و بين، و في الأخير اقول لك اخي ربما تجد في البئر مالا تجد في النهر و سلام
    مواطن بسيط.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *