arablog.org

اهمية الحرية الفكرية في بناء المجتمعات

 

الحرية الفكرية

عندما تعقم المجتمعات عن ولادة افراد متمردين على قيمها و افكارها الثابتة تصاب بانتكاسة عضيمة في عقلها الاجتماعي و تصاب بركود خطير يهدد سلامتها فعندما لا تكون هناك حركة فكرية في المجتمع يصاب هذا الاخير بالعفن فالمتمردون عادة على الافكار المغلقة و التي يرونها بفعل عقلي بحت يصوبون الاتجاه الذي يسير فيه المجتمع بما يوافق الزمن فاذا تركت المجتمعات على حالها دون تصويب متمرد تنغلق في حيزها المكاني و تصبح متقوقعة على ذاتها و على زمان انطلاقة وجودها المعنوي الاول و بالتالي تتخلف

و ان الافراد المتمردين على الافكار هم اؤلائك المفكرون العضماء اللذين يضحون بمدى قبولهم في المجتمع من اجل تغيير الواقع السيء فالمجتمعات المغلقة عادة ترفض ابنائها المتمردين حيث تعتبرهم تهديدا لبقائها فالمجتمعات ترى في افكارها و قيمها و تقاليدها المكتسبة تلك الرابطة التي اذا حلت حل معها وجود المجتمع في حد ذاته بينما في الحقيقة هذا الامر غير صحيح فتلك الرابطة التي هي عبارة عن مجموعة افكار و قيم و تقاليد موروثة قابلة للتغيير دون حل المجتمع بل بتغيير رابطته فقط و هذا هو الامر الذي لا تفقهه المجتمعات المغلقة عادة بسبب اضمحلال قدراتها العقلية بشح الموارد الفكرية المجددة

و على المتمرد ان يقدم كل ما في جعبته من افكار و لا ينتظر ان تتحقق كل افكاره دفعة واحدة بل عليه ان يقدم قيمة مضافة للوعي العام و بالتاكيد سيحقق و لو خطوة صغيرة للامام و مع تظافر جهود المفكرين تزداد الخطوات و تقترب اكثر من التغيير الشامل الايجابي و عليه ان لا يضع سقفا لافكاره او حتى مطالبه الاجتماعية بل عليه ان يدفع افراد المجتمع الى التفكير في قضايا جديدة و يفتح لهم الباب لتساؤلات جديدة ليخرجهم من كنف القديم و الافكار البالية التي استخدمتها اجيال متعاقبة و التي ادت استمرارية استعمالها الى تكون هالة من القداسة عليها بسبب ادمان المجتمع عليها و دخولها في ثوب العادة فيتقمصها الشعب و تصبح لصيقة به غير قادر على التخلص منها سوى بوجود افراد مضحين و متمردين و وحدهم هاؤلاء من يستطيع انقاذ المجتمع منها

و الحرية الفكرية هي المناخ الاكفل لبزوغ انوار المفكرين و سطوع مجدهم و هو المناخ الوحيد الذي تنتقل فيه الافكار بسلاسة فالحرية الفكرية تدل على تحضر المجتمع و وصول افراده لحالة من القناعة انه لا مفر من الافكار سوى الافكار و ان النقاش الحر المبني على منهجية و قواعد سليمة وحده الكفيل بترك عقل المجتمع يميز بين الصالح و الطالح و المجتمعات التي تسودها الحرية الفكرية تتملكها النزعة التجديدية بالضرورة بما يحافظ على هويتها عكس المجتعات التي لا تقبل بالحرية الفكرية و التي تخافها تخلق نوعا من التمرد العنيف بين افرادها ينتهي مع مرور الوقت بنسف الهوية و قلعها من الجذور

لذا فمن الخطورة بمكان ان تقيد الحرية الفكرية و يضيق على المفكرين اللذين هم عصب الحركية الفكرية الاجتماعية فالمتمرد في طبعه التمرد و لو اغلق عليه في صندوق و ارمي في جزيرة مهجورة سيبقى صوته دائما عالي و و هو يحاول الخروج من قلب الصندوق و ستصل افكاره بالضرورة الى المتمردين و الفضوليين و المتسائلين و كل افراد المجتمع و مع زيادة القمع سيعلو الصوت اكثر و سيمتد اثيره ليغطي مساحات اكبر لان الفكرة ان قمعت سارت حدثا يصعب حسره بينما المجتمعات الحرة التي تقبل بدور المفكر في تحريك فضولها و افكارها فهي تسمح لنفسها لمناقشة مطولة لذات الفكرة قبل قبولها او رفضها بالاساليب الديمقراطية و السلمية

انور رحماني

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *